أشراط الساعة رواية ودراية - الدرس الخامس

remove_red_eye10396 access_time05/06/2017 comment0

متوفر بصيغ MP3 PDF DOC

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .. تقدم معنا فيما مضى جملة من أشراط الساعة، أو جل أشراط الساعة الصغرى، ونكمل ما تبقى من أشراط الساعة الصغرى.

من هذه الأشراط: إخراج الأرض لكنوزها؛ وهذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدة معان، منها ما رواه محمد بن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً))[رواه مسلم1013].

وهذا قد جاء تخصيصه في بعض البلدان على وجه العموم.

وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الفرات يحسر عن جبل من الذهب يقتتل عليه الناس، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، كل واحدٍ منهم يظن أنه ناج. وهذا قد يقال: إنه ليس في هذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العموم، وذلك أن الأول كان فيه مقتلة، وأما الثاني فكان فيه قتل فيظهر أن ما كان في العراق من مسألة الجبل يكون في ابتداء خروجه، ولهذا قال في الخبر من حديث أبي هريرة قال: ((فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت)) يعني: قتلت الناس على هذا المال. وأما في حالة الاستفاضة كأن الناس أمسكوه، قال:((ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً)).

وبه يعلم أن استفاضة المال وكثرتها أنها تكون بعد انحسار الفرات عن جبل من المال.

وثمة جملة من المسائل ينبغي الإشارة إليها في هذا، وهي:

أن مسألة المال المحصور في الذهب والفضة في الحديثين لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة))، هل المراد بالمال هذا النوع أم المراد بهذا نفاسة المال هذا محتمل أن يكون على سبيل التخصيص.

ومن الاحتمال أيضاً أن يكون المراد به ما هو أوسع من ذلك، يمكن أن يكون في الأرض، ويمكن أن يكون في باطن الأرض سواء كان من المناجم أو غيرها.

وإنما كان كذلك – الإشارة إلى الذهب والفضة –؛ لأن كل ما كان ذا قيمة عند الناس يقوم بها، ولهذا فإن النقدين الذهب والفضة بهما يتعامل الناس، وبهما يتقاضى الناس في سائر المعاملات، فالإنسان يشتري داراً من ذهبه، ويشتري ناقة من ذهبه، وربما يزرع بستاناً من ذهبه، فكل المعاملات النقدية راجعة إلى هذين النقدين من الذهب والفضة، مشيراً بذلك إلى أنهما أصل كل شيء، كذلك أن الإنسان ربما يبيع الثروات المعدنية التي تخرجها من الأرض، سواء البترول أو الغاز أو غيرهما بالنقدين الذهب والفضة، ولهذا الإنسان يريد أن يحوز الذهب والفضة ولو بذل ما لديه من أموال.

وقد يكون المراد من ذلك الذهب والفضة على سبيل التخصيص لشدة تعلق النفس بها.

ومن هذه المسائل المتعلقة بهذا أن الإنسان كلما تعلق قلبه بالمال عظم أمله حتى إنه لا يرى الكلام العظيم البين الذي يراه ذو البصيرة بأدنى نظر وأدنى تأمل، لا يراه مناسباً، وإنما يرى تلك الآمال التي تملأ نفسه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة : ((فيُقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو))[رواه مسلم2894]، كل واحدٍ منهم يظن أنه ناج باعتبار ذلك الواحد. وهذا يدل على قوة الأمل في الناس.

وإذا قوي الأمل في الناس لم ينظروا إلى أسباب الهلاك، فانغمسوا في الدنيا وشهواتها وملذاتها، وهذا من أعجب حظوظ الأمل وسعته عند الناس.

ومن المسائل أيضاً في هذا الباب الإشارة إلى فوائد أرباب الأموال ومبادئهم. إنهم يقولون أن السلعة إذا كثر العرض فيها قل الطلب، وإذا قل الطلب قلت القيمة، وهذا قاعدة معروفة؛ لأن السلعة إذا انتشرت في الناس وأصبحت تعرض قل طلب الناس عليها، وإذا قل طلب الناس عليها قلت قيمتها، وإذا قلت قيمتها أصبحت في أيدي الناس كلهم.

وربما يكون هذا الخبر فيه إشارة إلى الفتنة العظيمة التي تدب في الناس حتى ينصرفوا عن المال، فلا يريدون ولا يتنافسون المال، وهذا فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث عوف بن مالك لما قال: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة .. ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً))[رواه البخاري3176]، وهذا الحديث متفق على صحته؛ لأن الإنسان إذا أُعطي المال، ومنع المزيد سخط.

ومما يدل على وجود هذه الأحوال الثلاثة في المال:

الحالة الأولى: هو بداية انحسار الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل الناس عليه.

الحالة الثانية: أن الناس يفيض فيهم المال فيعطى الإنسان مائة فيبقى ساخطاً يريد المزيد.

وبعد الاستفاضة وهي الحالة الثالثة: حين يعم هذا المال في الناس يذهبون ولا يأخذون منه شيئاً ، يعني بعد أن كنا نقتتل على هذا المال، ونتقاتل عليه، ونقطع الأرحام، وتقطع أيدينا عليه، ثم بعد ذلك يدعونه ولا يأخذون منه شيئاً.

وينبغي أن يعلم أن هذه تكون في زمن واحد؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت)) . يعني أنه أخذ الأموال. الأمر الثاني: أن السارق يأتي فيقول: ((ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي)). أي: أنه قد قطعت يدي في مثل هذه الحال مما يدل على أن هذه الأحوال الثلاثة في زمن واحد.

وربما يكون هذا المراد على سبيل الإجمال في آخر الزمان في زمن المهدي وعيسى، ويتعلق بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد استفاضة المال، أن الاستفاضة ليس المراد بها الاستفاضة العينية للمال، وإنما الاستفاضة المعنوية بحيث يصير المال معياراً.

وهذا معلوم، أن الإنسان كلما قل الأمل في قلبه، ثم ملك ديناراً ظن أنه ملك الدنيا وحازها، بخلاف من تعلق المال في قلبه، لو ملك الدنيا لظن أنها قليل، وهذا يرجع إلى أن الإنسان لا ينظر إلى المال من جهة عدمه؛ لهذا يقول صلى الله عليه وسلم: ((لو أُعطي ابن آدم وادياً من ذهب لابتغى ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب))[رواه البخاري6436].

وهذا يدل على أن الإنسان إذا تعلق بالمال وعظم عمله ولو كان المال كثيراً فإنه يطلب المزيد ، وهذا فيه إشارة إلى ضعف الأمل وتقلب الناس بحسب الفتن، فإن الفتنة إذا عظمت في الناس وكثر بذلك القتل وانشغلوا عن المال، أصبح المال مستفيضاً، وهذا يعلم في المعارك التي تقع في كثير من البلدان، والفتن التي تتفجر، سواء ما يتعلق بالدماء وما يتعلق بالأعراض، فينشغل الناس عن المال كل يزود عن نفسه وعن عرضه، وهذا معلوم مشاهد.

ويظهر – والله أعلم – أن استفاضة المال بهذه الصورة والكثرة حتى إن الأرض تقذف ما فيها من الذهب والفضة على شكل الإسطوان ، وهذا متضمن الكثرة ومتضمن أيضاً صفة الخروج، وقيام الزلازل وانشقاق الأرض ونحو ذلك، حتى يستفيد الناس بهذا المال، فيذهلون بانشقاق الأرض وزلازلها عن كسب المال.

وكل ذلك ثابت، سواء ما تقدم الإشارة إليه من جهة كم المال، أو من جهة العمل الذي يتعلق في قلوب الناس.

وما جاء في هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((يقتل من كل مائة تسعة وتسعون))[سبق تخريجه] هذا ليس على ظاهره فيما أرى – والله أعلم – أن المقتلة ليس المراد بها هذا العدد سواء كان التسعين أو التسعمائة، أو السبعين. يريد بذلك التأكيد على الكثرة، والدليل على ذلك فيما روي في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يقول الله عز وجل يا آدم أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين))[رواه البخاري3348 ومسلم222].

وجاء في بعض الأخبار: ((من كل ألف تسعة وتسعون))، والحديث الثاني أن من كل ألف يكون عشرة في الجنة وتسعمائة وتسعون في النار، وأما في اللفظ الآخر – وهو الأشهر – أنه يكون في الجنة واحد، ومن الألف تسعمائة وتسع وتسعون إلى النار.

وثمة تضاد بين هذا وذلك، مما يدل على أنه ليس المراد إثباته، وإنما المراد التكثير؛ لأن الناس يحتشدون، فيرى الإنسان الناس صرعى أمامه على هذا المطلب، ولا يملك إلا أن يندفع معهم، أيضاً الإنسان بطمعه يقدم المال على النفس، على حفظ نفسه، فإذا غلب عليه أخذ المال اتبع الناس.

ومن هذه الثمرات ما تقدم الإشارة إليه في مسألة الزهد، وما فيه مظنة إزهاق النفس، وإذا كان الإنسان يرى الناس صرعى أمامه لأجل دنيا ويريد دنيا فهو من باب أولى لا يكون من الذين أمنوا من مظنة الهلكة، والهلكة تكون في التدافع على هذا المال، بخلاف المقتلة التي تكون في سبيل الله فإنها تكون أقل بكثير، مما يدل على أن الناس إذا تعلقت قلوبهم بالدنيا والمال قل حبهم للقتال في سبيل الله، وانصرفوا للذات الدنيا ومتعها بسائر الأعذار، وتقدم الإشارة إلى هذا المعنى.

ومن أشراط الساعة وعلاماتها:

ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، من حديث عبدالرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عمران بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة، وخروج الملحمة فتح قسطنطينية، وفتح القسطنطينية خروج الدجال))[رواه أبو داود4294].

في هذا الحديث تسلسل لمجموعة من الأحداث ينبغي أن تُذكر على الترتيب، حتى لا يقع خلط في فهم بعض أشراط الساعة وعلاماتها، أول هذه الأشراط التي أشار إليها صلى الله عليه وسلم عمران بيت المقدس، وهذا يكون متلازماً مع خراب يثرب، وهي المدينة.

والمراد من الخراب هو الجدران، وقد جاء تفسير ذلك في البخاري في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لتتركن المدينة على أحسن ما كانت)).

وجاء عن النبي  صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وغيره في المسند وغيره، قال: ((لتتركن المدينة على أحسن ما كانت حتى يدخل الكلب فيغذي على بعض سواري المسجد)) يعني يبول على السواري، سواري مسجد رسول الله  صلى الله عليه وسلم.[رواه مالك1643 وأصله في البخاري1874].

وهذا لو قيل إن عمران بيت المقدس في المباني وكذلك الناس، طمعاً لا في الدين، وإنما الطمع في الدنيا، وهذا يدل على انفتاح الخير في أبواب الشام بعدما كان الانفتاح في جزيرة العرب، وكذلك أيضاً في المدينة على وجه الخصوص، ولهذا قال النبي  صلى الله عليه وسلم: ((عمران بيت المقدس خراب يثرب)).

أي أن علامة هذا – علامة عمران بيت المقدس – هو خراب المدينة ، ويظهر في هذا جملة من المعاني أولها العمران المادي، وهذا الذي أشرنا إليه وظهر، الأمر الثاني هو الخلافة، والدليل على هذا ما جاء عند أبي داود وغيره من حديث ضمرة، عن ابن زغب، عن عبدالله بن حوالة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا ابن حوالة إذا رأيت الخلافة في بيت المقدس فانتظر الزلازل والبلابل والأمور العظام، والساعة يومئذ أقرب من الناس من يدي هذه من رأسك)) ثم وضع رسول الله  صلى الله عليه وسلم يده على رأسه.[رواه أبو داود2535]وإسناده لا بأس به، وقد جاء من طرق متعددة عن عبدالله بن هوادة.

عبدالله بن هوادة من أهل حمص، ممن بقي فيها، واعتماده في هذه المسائل دليل أخذ فقهاء حمص عنه هذه الرواية وأمثال هذا الخبر مما هو منقول عند الإمام أحمد.

والعمران على نوعين: عمران خلافة، وتكون خلافة المسلمين، سواء كانت على استقامة أو على اعوجاج، ويظهر أنها على اعوجاج لأنه لا استقامة في مثل هذه الحال؛ لأن هذا متضمن لخراب هو خراب يثرب.

والدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر – كما في مسلم – من حديث الدراوردي عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ((يأتي على الناس زمان يدعو الرجل بن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء والمدينة خيرٌ لهم لو كانوا يعلمون ، والذي نفسي بيده لا يخرج منهم أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيراً منه، ألا إن المدينة كالكير تُخرج الخبيث لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد))[رواه مسلم1381].

وفي هذا إشارة إلى أن الناس يتواصون بترك المدينة إلى الشام، ويتركون عند ذلك المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون))[رواه مسلم1381]. وهذه إشارة إلى أن أكثر الناس يذهبون إلى الشام وبيت المقدس طلباً للدنيا، وطلباً للمتعة وعمرانها بالمادة، وكذلك الملبس والمأكل والمشرب .. ونحو ذلك.

وهذا لا يعني أن الشام ليست بموضع أرض مباركة، وقد جاء بيان أن الشام أرض مباركة في جملة من الأحاديث تقدم الكلام عليها على وجه الخصوص في محاضرة بعنوان "المسجد الأقصى ضياعه" ومسائل يحسن الرجوع إليها، ولكن علامة الشام بالنسبة لهذا الموضوع من جهة الفتنة على أحوال متعددة.

أول هذه الأحوال: إذا كان يتضمن عمران بيت المقدس خراب المدينة فهذه ملمة وليست بمحمدة، وعمران بيت المقدس يظهر أنه بعد فتح المسلمين لبيت المقدس، يكون بعد ذلك سعة في المال وترك للمدينة، والمدينة هي أفضل البقاع بعد مكة عند عامة العلماء.

والحالة الثانية: في حالة الفتن والملاحم والقتال، فإن الذهاب إلى الشام أفضل من أي بلد آخر، بل إنه أولى من الدخول إلى مكة والمدينة لا لاختصاصها بالفضل، وإنما لأن الشام هي أرض المحشر، وأرض الملحمة ما بين المسلمين وبين الروم.

الدليل على ذلك: ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث عوف بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((اعدد ستاً بين يدي الساعة))[رواه البخاري3176] قال  صلى الله عليه وسلم في هذا الخبر: ((ثم يكون بينكم وبين بني الأصفر عهداً ثم يغدرون ، فيأتونكم على ثمانين راية، على كل راية مائة وعشرون ألفاً))[رواه البخاري3176].

يعني مائة وعشرون فرداً من المقاتلين، وهذا عدد مبالغ فيه جداً لا يمكن إلا مع التجيش المتراكم، وهذا الحديث في صحيح الإمام البخاري، وهو من أصح الأحاديث في أشراط الساعة، ويكون ذلك في أرض الشام، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((خراب يثرب خروج الملحمة))[رواه أبو داود4294]. والملحمة تكون في الشام، وقد جاء الكثير من ذلك على الصراع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة من الأحاديث، قال صلى الله عليه وسلم: ((حتى يقاتل بقيتكم الدجال بالأردن على النهر، أنتم شرقيه وهم غربيه))[رواه ابن أبي عاصم في الآحاد2458].

وهذا دليل على أن المعركة تكون بالشام، هو في زماننا الآن في العراق من جهة الأردن، كذلك ما يسمى بسوريا من جميع أطرافها المختلفة، كذلك الأردن ولبنان وفلسطين وشيء يسير من شمال الجزيرة العربية داخلة في بلاد الشام.

وليعلم أن التقسيمات الجغرافية الحديثة لا صلة لها بالآثار النبوية المروية التي توثق بالحديث.

ومعلوم أن التقسيمات الإقليمية التي تحدث سواء منها التنظيم السياسي أو التقسيمات الدولية وغير ذلك لا شأن لها، ومعلوم أن الحجاز يمتد إلى تبوك بإجماع أهل العلم من أهل الإسلام، فتبوك تكون داخلة في أبواب الحجاز إلى المدينة، وحكمها في سائر الأحكام، أنها تدخل في الحجاز.

وإذا أخذت إلى جهة المشرق بدأت ودخلت في الشام، وإذا نزلت يسيراً دخلت في بوابة نجد من جهة الشمال.

والملحمة التي تكون بين المسلمين وبين الروم، قريب من نهر الأردن، وتمتد إلى دمشق ببلدة يقال لها الغوطة، وقد جاء هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في المسند، وكذلك في السنن وغيرها.

والغوطة هي بلدة قريبة من دمشق، مما يدل على أن الصراع يمتد في هذه المنطقة، إلا أنهم لا يدخلون ولا يصلون إلى جزيرة العرب في ظاهر النصوص.

وهذه الملحمة التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم تكون قبل فتح القسطنطينية، بل هي تمهيد لها، وقبل خروج المهدي والقحطاني وعيسى بن مريم كالتمهيدات له.

قيل إن بين الملحمة وبين ما يأتي من الفتوحات وكذلك خروج المهدي سبعة أشهر، ومعلوم أن المهدي هو في زمن عيسى، يأتي المهدي، وقيل يتبعه بعد ذلك القحطاني ثم يأتي بعد ذلك عيسى.

والمقطوع به حقاً أن المهدي قبل عيسى، وهل يكون المهدي معاصراً لعيسى؟ ظاهر النصوص تدل عليه، أنه يبدأ بخروج المهدي ثم بعد ذلك يخرج عيسى ويوافق المهدي، وهل هو الذي يصلي بالناس أم القحطاني؟ النصوص في ذلك متعارضة ، ويظهر – والله أعلم – أن الذي يصلي بالناس أمير المؤمنين في زمنه، ولكن ليس عيسى، قد يكون هو المهدي وقد يكون غيره، ثمة عدد من المرويات فيها ضعف، ويأتي الإشارة إليها.

والملحمة هنا هي الفيصل بين أهل الإسلام، ثم تمتد هذه الملحمة حتى تصل إلى فلسطين وفتح بيت المقدس، وهو الفتح الأخير الذي يكون في النهاية، ويتبع هذا جملة من علامات الساعة التي تكون كالعقد تمهيداً لنشر الخير في الأرض.

هذا وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يختبئ اليهودي خلف الشجر والحجر فيقول الشجر والحجر يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله))[رواه البخاري2925 ومسلم2921]، يعني: أن اليهود يختبئون خلف الشجر والحجر من قوة المسلمين وسطوتهم.

وفي هذا أيضاً جملة من المسائل منها ما جاء في بعض الأحاديث من نطق الشجر، ومن نطق السوط، وشراك النعل، وهو في مادة الزمن لا خارجه؛ لأنه جاء عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع)) ، يعني تتحدث كما يتحدث الناس، ((وعذبة سوط الرجل، وشراك نعله، وتخبره نعله بما أحدث أهله بعده))[رواه الترمذي2181].

وهذه الإخبارات هي مقترنة فيما يظهر بإخبار الشجر والحجر في ذلك الزمن: ((يا مسلم يا عبدالله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله))[رواه البخاري2925 ومسلم2921].

وفيه أيضاً: أنه في آخر الزمان القتل هو الشريعة الراجحة على الأسر والغنيمة؛ لأنه لا ينبغي للمسلمين في هذه المعارك أن يلتفتوا إلى مغنم، ولا يلتفتوا إلى ميراث. جاء تفسير ذلك في صحيح الإمام مسلم من حديث يسير بن جابر عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الساعة لا تقوم حتى لا يُقسم ميراث ولا يُفرح بغنيمة))[رواه مسلم2899].

قيل في تفسير ذلك جملة من المسائل، منها: أن المواريث تكون قد جُهلت في هذا العصر، لرفع العلم وقبض العلماء، وقد جاءت جملة من النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤكد هذا، منها ما جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن من أشراط الساعة أن يُرفع العلم ويكثر الجهل ويكثر الزنا ويكثر شرب الخمر، ويقل الرجال ويكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد))[رواه البخاري5231 ومسلم 2671].

وبرفع العلم لا يكاد يوجد عالم يُسأل. ومحتمل أن المراد بذلك أن الناس منشغلون من شدة القتل، من يرث، ومن يفرق، ومن يورث، هذا قتل وهذا قتل.

فلهذا جاء عن النبي  صلى الله عليه وسلم من حديث عبدالله بن مسعود قال: ((إن أبناء الرجل الواحد مائة لا يبقى منهم إلا واحد)) فلا يوجد وارث ولا مورث لانتشار القتل، ولا يطمعون في غنيمة لشدة المصائب من البلايا، قتل فلان وفلان وفلان، ويكون الأمر بين الناس مشاعاً.

ويظهر – والله أعلم – أن هذا القتل الذي جاء في حديث عبدالله بن مسعود هو بعد ما جاء عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم من قوله : ((إذا كان المغنم دولاً والأمانة مغنماً))[رواه الترمذي2210]. يعني أن هذا في ابتداء الأمر، فيعلم أن الغنيمة في آخر الزمان على حالتين:

الحالة الأولى: أن تكون مغنماً، فيحرص عليها ويقتلون لأجلها، فيتقاتلون لأجل الكسب، وفي هذا هل يكون الجهاد شرعياً أم لا؟

يقال: إن هذه المسألة لا تخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن الإنسان إذا قصد النية لله وصاحبها شيء من مطامع الدنيا جاز ذلك. الدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم معنا كان يحفز أصحابه على القتال، قال صلى الله عليه وسلم: ((من قتل قتيلاً فله سلبه))[رواه البخاري3142] يعني: فله ماله، يعني كالشرط والجزاء، فيكون هذا في حال المقايضة، فيجوز للإنسان أن يقتل شخصاً صاحب مال، طمعاً فيما لديه من مال، فيغنم ما يحمل من السلاح، والحديد وما دونه؛ لأن هذا فيه مقاصد متعددة: المقصد الأول: أن الإنسان يأخذ من المال ما يتقوى به في دينه ودنياه، الأمر الثاني: أن في قتل صاحب المال مضرة على الأعداء، فإن في ذلك إنفاقاً للأنفس النفيسة فيهم، وفيه كذلك تدويل للمال، وهو لا يناقض النية، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل للفارس سهمين، وللراجل سهم واحد، وفي هذا تحفيز للإنسان أن يقاتل في سبيل الله ويحصل على الغنيمة.

لكن الحالة الثانية: أن يقصد الإنسان المغنم بذاته بحيث يكون الأصل، وهذا محرم لا يجوز، وهذا أخبر به النبي  صلى الله عليه وسلم أن أول من تُسعر بهم النار ثلاثة، ومنهم رجل قاتل في سبيل الله حتى يقال أنه جواد.

وهذا من أخطر الأمور التي بيَّن الشارع حالها، وهذا يختم له على ما كان عليه. وقد جاء في بعض الأخبار، وفيها ضعف، أن الجهاد في سبيل الله في آخر الزمان يكون أجرةً، يعني يُدفع للإنسان مال حتى يقاتل في سبيل الله، وفي هذا مجموعة من المسائل، منها:

أنه لا حرج على المسلمين وعلى ولي الأمر إذا لم يستطع فتح الثغور والجهاد في سبيل الله إلا بدفع الأجرة، ومن خبثت نيته أن يعمل على تحقيق المقصد الأدنى.

الدليل على هذا ما جاء في الصحيحين أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليؤيد الدين بالرجل الفاجر))[رواه البخاري3062]. وهذا ظاهر، إذا تحقق أمر الدين ولو بإذهاب نفس البالغ فإن هذا من المقاصد المحمودة إذا لم يصحح الناس النية، ولكن لا يتعارف على أن المؤمن يُدفع له المال لتفسد نيته حتى يصلح أمر الإسلام، فهذا ليس من السبل المأثورة في إصلاح المجتمعات، وإصلاح العقائد.

فينبغي أن يحارب على ذلك كله ، لكن إذا لم يتحقق ذلك إلا على هذا النحو، فإنه لا حرج عليه . وفي هذا إشارة إلى أن المسلمين يتصالحون ويتعاملون مع بني الأصفر فيقاتلون عدواً دونهم، يعني غير بني الأصفر، وقد جاء هذا في صحيح الإمام مسلم من حديث عبدالله بن مسعود، مما يدل على جواز المصالحة مع المشركين لقتال عدو ولو كان مشتركاً من جهة العداوة بين المسلمين وبين الروم، وهذا أمر جائز يشير إلى هذه المسألة التي سبق الإشارة إليها، ثم يكون الغدر بعد ذلك، يكون بداية الأمر صلحاً، ثم يقاتلون عدواً دوننا، يعني دون الروم، بيننا وبينهم، الله أعلم بحاله هناك في هذا الأمر اجتهادات لا دليل عليها، ولا ينبغي أن يتعلق الإنسان بها.

ويكون بعد هذه المقتلة وهذا التحالف بين المسلمين وبين الروم غدر الروم على المسلمين، وهم أهل غدر، فيأتون المسلمين على حين غرة.

والدليل على أنه على حين غرة أنهم يأتون ببلاد الشام، وبلاد الشام هي من بلاد المسلمين، ولا يمكن أن يأتي هذا العدد، ثمانين راية، على كل راية مائة وعشرون ألفاً إلا أن يكون ذلك على حين غرة ومخادعة للمسلمين، سواء أن يُمكنوا من بلاد المسلمين، والاجتماع في مدنهم وقراهم ونحو ذلك، سواء بدعوى حماية المسلمين، أو قتال عدوهم، فيكثرون بذلك ويبيدون أهل الإسلام.

ومن جهة الأصل فإن مطامع أهل الكتاب من اليهود والنصارى هي مطامع دنيا، ويظهر أن غدرهم بالمسلمين هو لأجل مطمع في دنياهم، وهذا ظاهر.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم خروج الملحمة)) هي بعد خراب يثرب، وبعد عمران بيت المقدس تكون الملحمة، وبه يعلم أن من ينتظر هذه الملحمة ولم يحدث خراب المدينة، ولا عمران بيت المقدس، فإنه يتعجل أمراً ليس هذا ميقاته.

ثم تكون نصرة لأهل الإسلام، والدليل على ذلك هو قوله صلى الله عليه وسلم: ((وخروج الملحمة قبل فتح القسطنطينية)) يعني: أن المسلمين يفتحون القسطنطينية بعد ذلك، ولكن يكون لهم حماية من ثغور الشام جميعها حتى يتعدون ذلك إلى ما يسمى بأوروبا في زماننا الحالي، وهذا من توفيق الله للمسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: ((وفتح القسطنطينية خروج الدجال)).

وخروج الدجال هو مصاحب لمجموعة من أشراط الساعة متتالية، وبينها جملة من التداخل، المهدي مصاحب لخروج الدجال، كذلك القحطاني، ويأتي عيسى بعد ذلك كله فيقتل المسيح الدجال عند بيت المقدس، كما يأتي الكلام عليه في أشراط الساعة الكبرى.

وفي هذا الحديث إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بخروج الدجال، لا يعني أنه لا يتخللها مجموعة من أشراط الساعة الأخرى والأحداث الأخرى، وإنما تكون هي على هذا الترتيب وعلى هذا النسق، بل يقال إن النبي  صلى الله عليه وسلم أراد أن يشير إلى ما كان علماً من أمور الفتن.

والفتنة في ذكر بعض أشراط الساعة والتذكير بها قد تظهر للبعض وقد لا تظهر، فمثلاً حينما ننظر إلى الدجال نجد أن الله لم يقص خبره في كلامه على سبيل القطع، وإنما جاء في كلام بعض المفسرين تفسير بعض الآيات، أن المقصود بها الدجال، وهذا محتمل في قوله {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ} (سورة الأنعام158). قال بعض المفسرين كعبدالله بن عباس ومجاهد وغيرهم، أن المراد بذلك الدجال، وهذا محتمل، مع أن الله تعالى ذكر جملة من أشراط الساعة من انشقاق القمر، وقد مضى وزال أمره، وهو من الأمور العظيمة والصادقة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر الدابة ويأجوج ومأجوج، والأعظم من ذلك كله الدجال لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجال))[رواه مسلم2946]. ومع ذلك لم يذكر في كلام الله تعالى على سبيل القطع مما يدل أن أمره يحتاج إلى مزيد بيان، وهو في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك التفصيل أظهر وأبين، وكلام الله تعالى يأتي على سبيل الإجمال، وفي هذا جملة من الأمور والفوائد، من هذه الفوائد أنه ينبغي أن تقدس السنة وتعظم كما نقدس آيات القرآن، وذلك أن السنة من الوحي.

ولهذا قال الله تعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (سورة النجم3-4).

وإذا ترك الناس السنة وتعلقوا فقط بالقرآن ضلوا؛ لأن السنة هي مبين للقرآن، وإذا كانت أعظم مصيبة على البشرية منذ أن خلق الله آدم إلى قيام الساعة ادخرها الله تعالى على لسان نبيه دل على مكانة هذه السنة وجلالة قدرها، ومعلوم أن الشيء يعرف أمره بمضمونه ومحتواه وما يدفع من الشر وما يدل على الخير.

وإذا كانت سنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم تدل على هذا القدر العظيم من دفع الشر دل على وجوب التمسك بها، ولا سيما في زمن ظهور الفتن، ولو تليت آي القرآن وآي السنة البينة الظاهرة التي هي أظهر تفصيلاً وأسهل تدقيقاً وبياناً لكل القرآن، وهي خصيصة خصها الله تعالى في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهناك من يقول أن السنة لم تأت بدليل، ولم يأت هو بدليل بيِّن يزيل هذا الإشكال.

ولهذا ينبغي للإنسان أن يتشبث بالأدلة من كلام الله تعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يعتمد على أقوال الناس وخصامهم.

لهذا قال الله تعالى حاكياً عن حال قوم هود مع هود، وإنكارهم لما جاء به من حجج {قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ} (سورة هود53). إذا كان كلام الله تعالى ليس ببينة، وهو أظهر بيان وما أرسل الله تعالى من رسول إلا بلسان قومه، ثم هؤلاء يقولون أيضاً: {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ} من الذي يأتي بالبينة حينئذ؟! أقوى بياناً من رب العالمين، ليعلم أن هذه من الحجج الباطلة ممن يعلمون الحق في قلوبهم ثم يجحدون كما فعل ذلك كفار قريش.

ولهذا قال الله تعالى في الكتاب العظيم عن حال كفار قريش {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (سورة النمل14)، يجحدون بهذا الحق، وهذا يظهر يوم القيامة، يقول الله في كتابه في سورة الأنعام {بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ} (سورة الأنعام28). يعني: يخفون ذلك الحق، لكنهم لا ينكرونه حتى يقع العذاب حينما يعرضون على النار، لهذا ينبغي على صاحب الحق إذا ظهر له الدليل، وتمكن من قلبه، ألا يأبه لأي صاحب دعوى لم يحرز الدليل، ولم يحرز البينة والحجة، إذا أقيمت البينة والحجة فاتبع، وإن لم تتبع فذلك سبيل من ضلوا وهلكوا كما ضل قوم هود وقوم صالح وثمود.

أشراط الساعة رواية ودراية - الدرس الخامس